خلال لقاء مع جمع من الناشطات العراقيات
الدكتورة فاطمة طباطبائي: في رؤية الإمام، الحياة الجيدة في الدنيا تؤمّن لنا الحياة الجيدة في الآخرة / عندما يكون باطن الإنسان مليئاً بالحقد والاضطراب، لا يكون هناك اعتدال / كان الإمام الخميني يرى القدرة المطلقة، ولذلك كان يقول: «أمريكا لا تستطيع أن تفعل شيئاً»
قالت رئيسة الجمعية العلمية للعرفان الإسلامي في إيران، خلال كلمة ألقتها في لقاء مع جمع من الناشطات العراقيات: إن الإمام الخميني (قده) يقول: «أمريكا لا تستطيع أن تفعل شيئاً»؛ لأنه يرى القدرة المطلقة. ألم يكن الإمام يعرف مدى قوة أمريكا؟! كان الإمام يقول إن القدرة المطلقة هي قدرة الله تعالى، فما قيمة هؤلاء؟! ومن هنا يقولون إن العرفان يبدأ بالحب؛ لأن الإنسان يستطيع أن يتجاوز التعينات، وعندها يشعر بالله تعالى في وجوده. ومن يكون محبوبه رفيقاً له منذ بداية السفر، لا يكون سفره شاقاً. ولهذا نرى أن أمور الدنيا لا تكون شاقة، وأوج ذلك في كلام السيدة زينب (عليها السلام) حين قالت: «ما رأيت إلا جميلاً»؛ أي إن للمشقة لوناً آخر، وهي تمتزج باللذة.
وأكدت رئيسة الجمعية العلمية للعرفان الإسلامي في إيران أنه يمكننا حل مشكلات اليوم من خلال فكر الإمام الخميني (قده)، وقالت: إذا طرحنا على الإمام سؤالاً حول ما ينبغي أن نفعله في هذه الظروف، فإن جوابه واضح جداً، ويمكننا أن نجده في كتاباته. وقد طرح الإمام جميع هذه الأفكار في كتاب «شرح جنود العقل والجهل». أي إن الإمام يقول إن على الإنسان أن يتحرك بالعقل؛ بمعنى أن العقلانية يجب أن تسري في المجتمع.
وقالت الدكتورة فاطمة طباطبائي خلال كلمة لها في لقاء مع جمع من الناشطات العراقيات: يبدو أن جميعنا نحب الإمام الخميني (قده)، وندرك جميعاً قيمة عمل الإمام؛ ونعلم عظمة ما قام به الإمام وكيف هزّ العالم. لقد قيل الكثير عن عظمته وأخلاقه، لكنني أعتقد أنه إذا أردنا أن يكون فكر أي مفكر حياً ومتواصلاً، فيجب أولاً أن يُفهم ذلك الفكر، ثم نستطيع أن نحاور ذلك المفكر. فإذا عرفنا فكره وحاورناه، يمكننا أن نستفيد من أفكاره لحل مشكلات اليوم.
وأكدت رئيسة الجمعية العلمية للعرفان الإسلامي أنه يمكننا حل مشكلات اليوم من خلال فكر الإمام الخميني (قده)، موضحةً أن إحدى القضايا التي طرحها الإمام والتي كانت شائعة جداً بين العلماء، هي العلاقة بين السياسة والعرفان. والمعنى الذي يعطيه الإمام للسياسة هو «التخطيط الدقيق للحياة»، سواء الحياة الدنيوية أو الحياة الأخروية. وفي رؤية الإمام، فإن الحياة الجيدة في الدنيا تؤمّن لنا الحياة الجيدة في الآخرة. أي إذا عشنا في الدنيا، وتصرفنا وسلكنا سلوكاً إنسانياً، فيمكننا أن نأمل أن نحظى في الآخرة أيضاً بحياة مريحة ونعيش بطمأنينة.
وأضافت: إن حياتنا في الآخرة مدينة لحياتنا الجيدة في الدنيا. ولكن ما معنى الحياة الجيدة في الدنيا؟ هذه نقطة مهمة ينبغي أن نفهمها. كيف نعيش حتى نكون قد عشنا حياة جيدة؟ من الواضح أن الأمر لا يتعلق بالمال أو الملكية أو السلطة أو الشهرة؛ لأن هذه الأمور غير ثابتة، وهي من الاعتباريات؛ فهي موجودة في يوم، وقد تزول في يوم آخر. أما إذا نمّى الإنسان الصفات الإنسانية في نفسه، فيمكنه أن يقول: أنا إنسان وقد عشت حياة إنسانية. وإذا عاش الإنسان حياة إنسانية، فسيكون له في الآخرة أيضاً حياة جيدة.
وذكّرت الدكتورة فاطمة طباطبائي قائلة: إذا أردنا أن نسأل الإمام: كيف يمكننا اليوم، وسط مشكلات الحياة اليومية، والهجوم الشامل للأعداء، وضجيج عالم اليوم، أن نعيش ونكون بشراً؟ وبعبارة أخرى، في هذه الأزمة وهذه المرحلة الصعبة التي تتعرض فيها حياتنا لكل أنواع الضغوط، ومع ظروف عالم اليوم، والإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والمشكلات التي لا يمكن السيطرة عليها إطلاقاً، كيف نعيش؟ لقد تعلمنا من الإمام أننا بمجرد ولادتنا نكون «إنساناً بالقوة»؛ أي إن لدينا القدرة على أن نصبح إنساناً، وأن نكون خليفة الله، وأن تظهر فينا الصفات الإلهية. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على إظهار صفات الله تعالى.
وأضافت: إن العرفان الذي يطرحه الإمام الخميني (قده)، خلافاً للتصور الشائع لدى كثير من الناس، ليس عرفاناً انفعالياً وفردياً، بل هو عرفان اجتماعي وحضاري. وقد أسس الإمام نفسه، انطلاقاً من هذا الاعتقاد، حضارة جديدة في إيران، استطاعت إسقاط الملكية الشاهنشاهية التي امتدت 2500 عام، وتقديم حضارة جديدة إلى العالم. ولذلك، إذا طرحنا على الإمام سؤالاً حول ما ينبغي أن نفعله في هذه الظروف، فإن جوابه واضح جداً ويمكننا أن نجده في كتاباته. وقد طرح الإمام جميع هذه الأفكار في كتاب «شرح جنود العقل والجهل». أي إن الإمام يقول إن على الإنسان أن يتحرك بالعقل؛ بمعنى أن العقلانية يجب أن تسري في المجتمع.
وأكدت رئيسة الجمعية العلمية للعرفان الإسلامي: إن الصراع بين عقل و جهل، «الإنسان بالقوة» إلى «الإنسان بالفعل». وهذا صراع مقدس في وجود الإنسان؛ حيث يصبح العقل حاكماً، ويزول الجهل، وتسود العقلانية في وجود الإنسان. وما ثمرات ذلك؟ وكيف يمكننا أن نعرف أن العقل هو الحاكم أم الجهل؟ هنا يقدم لنا الإمام معياراً جميلاً؛ فهو يقول: إذا كان الحسد والكبر موجودين في وجودك، ولم يكن هناك تواضع وعفة، فاعلم أن الجهل هو الحاكم. وإذا كان التواضع والعفة والحلم والتسليم والصدق، وهي صفات إنسانية، هي الحاكمة في وجودك، فالعقل هو الحاكم. وإذا كانت الأنانية ومحورية الذات هي الحاكمة، فاعلم أن الجهل قد أصبح حاكماً.
وتابعت: إن نتيجة الجهل هي أن الإنسان لا يستطيع الاتصال بساحة الربوبية ولا يرى الحق؛ فالجهل هو الظلمة، ولا يستطيع الإنسان أن يرى الفضاء النوراني أو يكون فيه. أما إذا كان العقل حاكماً، فإنه يمتلك أداة ووسيلة تقرّبه من ساحة الربوبية؛ وهناك تصبح إنسانيته فعلية وتزدهر. ولذلك، إذا سألنا الإمام: ماذا نفعل؟ فإنه يقول: أغلبوا الصفات الشيطانية وصفات الجهل بمساعدة العقل، وأطفئوا لهيبها في وجودكم. فإذا استطاع الإنسان أن يخوض هذه المعركة في وجوده، أي هذا الصراع الذي أراه صراعاً مقدساً لأنه يؤدي إلى الكمال، فعندها يمكنه أن يطمئن إلى أنه يستطيع أن يكون مؤثراً في العالم الخارجي أيضاً.
وقالت الدكتورة فاطمة طباطبائي: عندما يكون باطن الإنسان مليئاً بالحقد والاضطراب ولا يكون هناك اعتدال، فكيف يريد أن يجعل المجتمع معتدلاً؟ وكيف يريد أن يدعو المجتمع إلى السلام؟ وكيف يريد أن يكون مؤثراً في المجتمع؟ ولذلك، فإن الجواب الذي أستخلصه من الإمام عن هذا السؤال الذي طرحته هو: أولاً، اجعل العقلانية حاكمة في داخلك وفي مملكة وجودك، وأزل الجهل الذي هو الظلمة؛ وعندما تسيطر، ستتمكن تلقائياً من التأثير في المجتمع ودفعه نحو الكمال.
وأكدت: إن مكانة العقل مهمة جداً، والإمام الخميني (قده) يوصي أيضاً بأن يكون العقل حاكماً على وجودكم. ولكن إذا أردنا أن نشاهد ونحس بذلك اللامتناهي في وجودنا، فإن العقل متعين ولا يستطيع إدراك اللامتعين. ومن هنا تبدأ المرحلة الأولى من العرفان. إلى هنا نسير مع الفلسفة والعقل، ومن هذه النقطة فصاعداً نحتاج إلى قوة ماورائية وغير محدودة تأتي لمساعدة العقل. وهنا ينبغي التضحية بالعقل. والقوة الحاكمة هي الحب.
وتابعت رئيسة الجمعية العلمية للعرفان الإسلامي: يجب أن يقودنا العقل، ولكن عندما نصبح بشراً ونستطيع أن نتواصل مع الله ونتحدث معه في وجودنا، فإن ذلك يحدث عندما يكون العقل قد ضُحّي به أيضاً. عندها لا يبقى شيء من «الأنا»، ويقول الإنسان: أنا «لا شيء». والإمام الخميني (قده) يقول مراراً: «أنا لا شيء» أو «نحن لا شيء». ومتى يصل الإنسان إلى هذه النقطة التي يصبح فيها لا شيء؟ عندما يغلب الحب في وجوده. عندها يقطع الإنسان ذروة مسيرته. وأساس العرفان هو الحب، وهو يتحرك بالحب.
وبتعبير الإمام الخميني (قده) في كتاب «الأربعون حديثاً»، فإن سفر الإنسان من هنا يصبح «سفراً عشقياً»؛ أما إلى هذه النقطة فكان سفراً عقلياً، وكان ينبغي أن يكون كذلك.
وأضافت: إن الحب الحقيقي هو الحب الذي يكون قد تجاوز العقل. فالعاقل يصبح عاشقاً؛ ويبلغ العقل كماله، ويظهر الحب.
وبناءً على ذلك، لدينا حب «دون العقل» وهو ليس عرفانياً، ولدينا حب «فوق العقل» وهو الحب المطروح في العرفان. ومن يكون في هذا الطريق، يرى الدنيا «لا شيء»، ولا يرى إلا وجوداً واحداً هو الله تعالى.
وقالت الدكتورة فاطمة طباطبائي: إن الإمام الخميني (قده) يقول: «أمريكا لا تستطيع أن تفعل شيئاً»؛ لأنه يرى القدرة المطلقة. ألم يكن الإمام يعرف مدى قوة أمريكا؟! كان الإمام يقول إن القدرة المطلقة هي قدرة الله تعالى، فما قيمة هؤلاء؟! ومن هنا يقولون إن العرفان يبدأ بالحب؛ لأن الإنسان يستطيع أن يتجاوز التعينات، وعندها يشعر بالله تعالى في وجوده. ومن يكون محبوبه رفيقاً له منذ بداية السفر، لا يكون سفره شاقاً. ولهذا نرى أن أمور الدنيا لا تكون شاقة. وأوج ذلك في كلام السيدة زينب (عليها السلام) حين قالت: «ما رأيت إلا جميلاً»؛ أي إن للمشقة لوناً آخر، وهي تمتزج باللذة.
وأضافت: إن بعض كبار الشخصيات كانوا يقولون، في تفسير سلوك الإمام، إن الإمام كان في تلك المرحلة التي قال فيها: «كن فيكون». وهذا يحدث لكل إنسان؛ فقد يكون الأمر بالنسبة إليّ أمراً جزئياً، وقد يكون بالنسبة لشخص آخر أمراً كبيراً. ولا ينبغي أن نظن أننا لا نستطيع أن نصل إلى الكمال؛ ففي كل مرحلة نستطيع فيها أن نزيل صفة شيطانية أو صفة من صفات الجهل من أنفسنا، تكون تلك نقطة نور في وجودنا نستطيع من خلالها أن نشعر بالله. فإذا كانت صفات العقل، التي هي النور، موجودة في وجودنا، فإننا بواسطتها نتصل بنور الأنوار.
وفي جانب آخر من حديثها، أشارت رئيسة الجمعية العلمية للعرفان الإسلامي إلى أن الإمام الخميني (قده) عاش 13 عاماً في العراق وكان ضيفاً على العراقيين، وقالت: لدينا في طهران مؤسسة ثقافية، ويمكننا هناك أيضاً أن نقوم بأنشطة مشتركة. عندما كنا هناك، كان جميع من حولنا إيرانيين، لكننا كنا على تواصل وثيق مع الشعب العراقي. لقد كان الشعب العراقي محباً جداً، وكان يحب الإمام كثيراً، وقد نشأت علاقة عاطفية جيدة.
---------------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.