" و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى " ١٧ ، الأنفال .
نعيش ايام (طوفان الأقصى ) المبارك . و في الوقت الذي تمر فيه ذكراه الثالثة ، لا يزال العالم بأسره يقطف أثماره و ما آل اليه ، و هو لحد الآن ، ممتد ، مزمجر، ماض في طريقه ، معبًدا ذلك لسلوك الاحرار ، ليس في فلسطين المغتصبة فقط ، بل و في كل صقع من أصقاع العالم ، يتواجد فيه ، فرد حر ، يسعى لكسر القيود و الانعتاق نحو الحرية التي منحها الله تعالى للانسان ، و خلقه ليكون حرا ، أبيا، عبدا له عز و جل فقط ، لا لأصنام و شياطين ، و لا للأمبريالية و الصهيونية العالمية . ثلاث سنوات تمر على العالم بما فيه ، و الكيان الصهيوني الغاصب ، يتدحرج إلى الهاوية أكثر فأكثر ، رغم ما قامت به الأمبريالية الأمريكية خاصة ، و على رأسها معتوه ، متغطرس ، مصاص للدماء ، قاتل للأطفال ، و حالب بقرات سمان ، تدر عليه و على ذئبه الهائج ، المسعور النتن ياهو ، ما يريد بل و تُهديه ، أضافة إلى ذلك ، ما يرسم الابتسامة على وجهه القبيح الأسود! . ثلاث سنوات و فلسطين رغم ما قدمته من شهداء أبرار ، على طريق النصر الباهر ، لا تزال تنتظر النصر الموعود ، بإذن الله تعالى .
حربان مفروضتان و شبه انقلاب :_
خلال العامين المنصرمين ، قام الشيطان الأكبر و النتن ياهو ، بحربين مفروضتين على الشعب الإيراني العظيم ، المجاهد و ثورته الإسلامية المظفرة ، و قد حشد ما استطاع من قوة ، ليس بهدف المساس بالثورة الإسلامية فقط ، بل و حسب ما خطط له ، القضاء على النظام الإسلامي ، المتجذر ، الشعبي الذي جاءت به الثورة الإسلامية المباركة ، و عبّد له في إيران ، جمع من أراذل الناس و أسافلهم ، الذين لو اعطيت الواحد منهم حفنة من الدولارات ، لقام بقتل حتى أبيه و أمه ! و " زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون " ٢٤ ، النمل . عبّدوا له الطريق ، و أتحفوه بإراقة دماء زكية ، طاهرة ، و أثاروا فوضى لا اول لها و لا آخر . جرّب حرب الاثني عشر يوما ، فما حصد ما أراد ، و بعدها حرب الأربعين يوما ، فكان حصادها كسابقتها ، رغم ما تعرضت له إيران الثورة ، قبلهما من تمرد لعصابات البلطجة ، و تهريب و سفك دماء بريئة ، في كافة أنحاء البلاد .
استشهاد الإمام الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه ) و عظماء القادة و العلماء :_
ان المتتبع للأحداث في تلك الفترة المظلمة ، لا يمكنه قط غض النظر ، حتى و لو كان ذا رؤية مناوئة ، عما كان يتمتع به الشهداء الأبرار ، من إرادة قوية ، بصيرة كاملة ، روح عالية و اشتياق للقاء الله عز و جل ، خاصة الإمام الشهيد الخامنئي ، أعلى الله تعالى مقامه الشريف ، و في ذلك رسموا لأحرار العالم كافة ، على اختلاف مشاربهم ، شخصية الإنسان الحر ، الذي لا ينحني قط الاً للًه جل جلاله ، فأصبحوا أسوة خالدة للسائرين على طريق الحرية و الاستقلال . و كان ما تمنوه و خططوا له هباء منثورا تذروه الرياح ، و ما جنى الشيطان الأكبر و النتن ياهو ، غير اليأس و الهزيمة . كانوا يتمنون ان تصبح إيران الثورة ، عبدا طائعا لهم ، كما هو الحال في كثير من الدويلات ، التي هي في الحقيقة و الواقع مستعمرات و محميات ، لجباية المال و بقرات حلوب ! . فأغتالوا القادة و العلماء ، كما فعلوا بدول أخرى ، و تخيلوا في ادمغتهم المتعفنة ، ان مصرع هذه الكوكبة المتفانية في سبيل الله تعالى ، من أركان النظام الإسلامي ، يعني انهيار الحكم الثوري الأصيل ، و تنصيب ازلام لهم ، أعدّوهم لمثل هذه الأيام ! فأنقلب السحر على الساحر ، و خابت آمالهم ، و ما قاموا به ذهب ادراج الرياح ! و تنكروا لعبيدهم الذين فتحوا لهم السماء و البر و البحر ، للقضاء على إيران الثورة ، كما زعموا .
عدم التفات حكومات إسلامية إلى ما حذّر به الإمام الخميني (قده) ، مفجر الثورة الإسلامية : _
المتصفح للتاريخ الحديث ، خاصة فيما يتعلق بمراحل الثورة الإسلامية الإيرانية ، و انطلاقها و هي نبتة صغيرة حتى ترعرعها كشجرة عظيمة متجذرة ، يرى بوضوح ان قائد الثورة الراحل ، الإمام الخميني (قده) و منذ تلك الفترة ، لم يهتم فقط بايران ، كقاعدة للانطلاق ، بل و اهتم كذلك بالعالم الإسلامي كله ، سيما الدول العربية ، موجّها كلماته إلى الشعوب قبل الحكومات ، التي فرّطت في أرض فلسطين ، و أتاحت الفرصة للامبريالية و الصهيونية العالمية ،لتشريد شعب مسلم بأسره ، و احتلال أرضه ، و القيام بابادات جماعية كثيرة لإخلاء الأرض المقدسة من سكانها الأصليين ، كما فعل الامريكان بالهنود الحمر ، و أقلية أوروبية في كندا ، و أستراليا ، و كادوا تكرار اللعبة نفسها في أفريقيا الجنوبية ، لكنهم فشلوا بظهور قائد فذ وقف بوجههم ، و تصدى لهم بكافة السبل ، ألا و هو نلسون مانديلا . فكلما ابتعد المسلمون عن تعاليم الإسلام القيّمة ، خاصة الحكومات الإسلامية ، أصبحت الديار الإسلامية مستباحة ، تجول و تصول فيها ، ذئاب مفترسة ، لا تذر و لا تبقي من الحجر و البشر ! كما نراه اليوم واضحا ، ملموسا كالشمس في رابعة النهار . هذا أمير المؤمنين (ع) يهيب بالمسلمين : " ألا و اني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا ، و سرا و علانية و قلت لكم ، اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوا الله ما غُزي قوم قط في عُقر دارهم الاّ ذلوا . فتواكلتم و تخاذلتم حتى شُنت عليكم الغارات ، و مُلكت عليكم الأوطان ... و لقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ، و الأخرى المعاهدة ، فينزع حجلها (١) و قُلبها (٢) و قلائدها و رُعثها (۳) ، و ما تمتنع منه الاّ بالاسترجاع و الاسترحام ، ثم انصرفوا وافرين ، ما نال رجل منهم كلْم ، و لا أُريق لهم دم ، فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما ، بل كان به عندي جديرا ." (الخطبة ٢٧ ، نهج البلاغة ) . فكأني به عليه السلام و ما نطق به ، مخاطبا الشعوب الإسلامية المعاصرة ، و حكوماتهم ، للوقوف بوجه الصهيونية خاصة ، قبل أن يتسع الرقع على الراقع ! . و ما أشبه اليوم بالبارحة ! و هذا امام الأمة الخالد ، الإمام الخميني (قده) محذّرا و منبّها : ان كثيرا من حكومات البلدان الإسلامية و نتيجة للانهزام النفسي أو لعمالتها ، تنفذ المخططات الخيانية و الرغبات المشؤومة الاستعمارية المعادية للاسلام ، و التي تهدف إلى ترسيخ هذه الأوضاع المأساوية ، للمجتمع الإسلامي و إلى تسليط (اسرائيل) على ... أراضي الأمة الإسلامية. (موقع مكتبة المعارف الإسلامية ، جمعية مراكز الإمام الخميني (قده) الثقافية . ) . و أيضا : يجب أن أقول ان أعداء الإسلام كانوا رجال عمل لا كلام ، و المسلمون كانوا رجال كلام لا عمل ! . ... ان الشعوب اذا ما توقعت ان تبادر هذه الحكومات ، إلى الوقوف بوجه إسرائيل و القوى الأخرى ، فانها واهمة بذلك . (نفس المصدر) .
__________
طوفان الأقصى رد فعل طبيعي و مشروع على الاضطهاد ، القتل ، التشريد و ...
ان (طوفان الاقصى ) و بعد ثلاث سنوات و ما قامت حوله ، من أبحاث و دراسات ، سيبقى خالدا ، تضمه صفحات التاريخ الإنساني ، ما دام انسان يدب على الأرض و ما دام قلب ينبض في صدر كل مخلوق . فرغم ما تعرض و يتعرض له (الطوفان) من انتقادات جارحة ممن يتوشحون بلباس الإسلام زورا و بهتانا ، هو الطريق الوحيد الذي اختاره المجاهدون الفلسطينيون ، لتحرير بلادهم من براثن الكيان الصهيوني الغاصب ، و هم يعلمون أنهم ملاقو الشهادة عاجلا أو آجلا في سبيل ذلك ، فليس هم أول من قام بعكس العمل هذا في العالم . ان التاريخ يحوي كثيرا مما قام به المجاهدون ، في سبيل تحرير أراضيهم من الاستعمار و الاستبداد ،و قد ضحوا بالغالي و النفيس في سبيل ذلك ، و قدموا الكثير من الشهداء . مثال ذلك ، الشعب الجزائري الذي قدم مليونا و خمسمائة الف شهيد ، في سبيل الاستقلال و الانعتاق من الاستعمار الفرنسي البغيض ، بقيادة عبد القادر الحزائري ، و ممن سار على دربه ، ک : جميلة بوحيرد . و ليبيا ، التي 9قادها الشهيد عمر المختار ، سارت على الطريق نفسه ، ضد الاستعمار الإيطالي و الفاشية الإيطالية خاصة ، و على رأسها موسوليني . لكنّ ( طوفان الأقصى ) ، ینحصر بمفردة خاصة به ، قد لا يوجد مثيل لها في ثورات التحرير ، و هي : ان الشعب الفلسطيني أُخرج من أرضه ، و تتبعه المجرمون الصهاينة ، بالابادة و التشريد و التجويع حتى يومنا هذا ، في الوقت الذي لم يقع مثل ذلك ، للشعب الجزائري أو الليبي مثلا . اذن ، فالطوفان رد طبيعي و مشروع ، تعترف به الإنسانية جمعاء ، ممثلة بضمائرها الحية و رأيها العام ، الذي نراه اليوم متواجدا ، حتى في عقر الامبريالية العالمية ، الشيطان الأكبر ، أمريكا . فما قام به مجاهدو فلسطين ، هو إرادة الله تعالى ، و السلاح في قبضة المجاهد الفلسطيني المسلم ، ليس إلاّ سلاح الحق و النصر الإلهي المؤزر ، الموعود ، و هي رمية الله القادر المتعال ، بيد المجاهد . فيا ايها المجاهد الأبي ، امض على ما انت عليه " و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى . "
***********
١_ الحجل : زينة تتزين بها المرأة في رجليها . / ٢_ قُلب : معضد للزينه في المعصم . / ٣_ رُعث : هو القرط ، في الأُذن .
_______________________________
د . سيد حمود خواسته . القسم العربي ، الشؤون الدولية .