الخدمة: الثقافة
أُقيمت احتفالات «الذكرى الـ2500 لتأسيس الإمبراطورية الملكية الإيرانية» بمناسبة مرور 2500 عام على الحكم الملكي في إيران، وفقاً للرواية التاريخية التي تبنّاها الشاه. وقد أُقيمت هذه الاحتفالات في تخت جمشيد، في الفترة الممتدة من 12 إلى 16 أكتوبر/تشرين الأول 1971، وسط تكاليف باهظة لم يكن يُسمح حتى للمسؤولين الحكوميين بالكشف عنها، في وقت كان فيه الشعب الإيراني يعاني الفقر والبؤس.
وبحسب تقرير مراسل جماران، فإن الشاه، مع ارتفاع إنتاج النفط وأسعاره منذ عام 1971، شعر بمزيد من القوة، فصعّد حملته لقمع المعارضين، وأسرع بصورة جنونية إلى شراء المعدات العسكرية والسلع الاستهلاكية الأمريكية، وإنشاء قواعد عسكرية متعددة للولايات المتحدة، وتوسيع العلاقات التجارية والعسكرية مع إسرائيل. وإذ استبدّ به الغرور والاعتداد بالقوة، فرض على الشعب نفقات باهظة من خلال تنظيم احتفالات غير مسبوقة وأسطورية تحت عنوان «الذكرى الـ2500 لملوك إيران»، بحضور عدد كبير من قادة دول العالم.
إدانة الإمام الخميني للاحتفالات الملكية
قبل إقامة هذه الاحتفالات، وتحديداً في 22 يونيو/حزيران 1971، أدان الإمام الخميني (قده) هذه الاحتفالات المفروضة على الشعب، وكشف عن تخلف البلاد والحقائق المريرة التي كانت تسود المجتمع الإيراني.
وجاء في جانب من خطابه الذي ألقاه في مسجد الشيخ الأنصاري:
«لم تعد هناك أية مناسبة للاحتفال بالنسبة إلينا. فأي احتفال بقي للشعب الإيراني؟ إن واجب الشعب الإيراني هو أن يخوض مقاومة سلبية ضد هذه الاحتفالات، لا مقاومة إيجابية؛ فلا حاجة إلى ذلك. ينبغي للناس ألا يخرجوا من منازلهم عندما تُقام هذه الاحتفالات، وألا يشاركوا فيها؛ فالمشاركة في هذه الاحتفالات غير جائزة. وليحاولوا، قدر استطاعتهم، التملص من المشاركة في مثل هذه الأمور.
إذا احتجّ علماء إيران جميعاً بصورة جماعية، فهل سيعتقلونهم جميعاً؟! هل سيعتقلون كل علماء إيران ويعدمونهم أو ينفونهم؟! لو احتجّ علماء إيران في جميع أنحاء البلاد، وهم يشكّلون ما لا يقل عن مئة وخمسين ألفاً من رجال الدين، فضلاً عن ذلك العدد الكبير من العلماء والمراجع الدينية وحجج الإسلام وآيات الله، ورفعوا ختم الصمت هذا، وأزالوا التوقيع الذي يُعدّ صمتهم بمثابة توقيع عليه، فهل سيقضون عليهم جميعاً؟!
لو أرادوا القضاء على أحد، لكان من الأفضل أن يبدأوا بي؛ لكنهم لم يفعلوا ذلك، لأنهم لا يرون أن ذلك من مصلحتهم. ليتهم كانوا يرون أن من مصلحتهم فعل ذلك!».
(صحيفة الإمام، ج 2)
وفي جانب آخر من كلماته، قال الإمام الخميني:
«إنهم ينهبون السوق الإيرانية الآن، لينفقوا جزءاً مما ينهبونه على هذه الاحتفالات المخزية، ويستهلكوا الباقي بأنفسهم أو ينفقه المسؤولون. إنهم ينفقون أموال الشعب والمسلمين البائسين على هذه الاحتفالات، ويصرفون من ميزانية البلاد ملايين وملايين، بل عشرات الملايين، على مثل هذه المسرحية السخيفة والمضحكة. لماذا؟ لإشباع أهوائهم الشخصية، ولكي يقال إننا نحن الذين أقمنا الاحتفالات».
(صحيفة الإمام، ج 2)
دعوة العلماء إلى الاحتجاج الجماعي
وفي جانب آخر من خطاب الإمام، الذي دعا فيه رجال الدين إلى الاحتجاج الجماعي على احتفالات الذكرى الـ2500، قال:
«أرى أن من واجبي أن أذكّركم بهذه الأمور، وأن أرفع صوتي بالاحتجاج إلى الحد الذي يصل إليه صوتي، وأن أكتب وأنشر إلى الحد الذي يستطيع قلمي بلوغه. فإذا رأى السادة أن ذلك من المصلحة، وعدّوا هذه الأمة الإسلامية أمتهم، والشيعة شيعتهم، فليفعلوا هم أيضاً ذلك. وإن لم يروا فيه مصلحة، فنسأل الله أن يحفظهم.
هذه هي مشكلاتنا. فماذا عساي أن أفعل؟! هل أجلس الآن لأقدّم لكم مواعظ أخلاقية؟! إنهم يقضون على أساس المسلمين والإسلام، فهل أجلس لأحدّثكم عن تهذيب النفس؟! لو كنا مهذّبين حقاً، لكنا منشغلين بهذه القضايا.
لديكم وسيلة، وهي أن يكتب كل واحد منكم رسالة. إن تكلفة الورقة وطابعها ليست باهظة، وحتى لو كانت إمكاناتكم محدودة، فاكتبوا رسالة لوجه الله إلى الحكومة الإيرانية، وقولوا لها: كفى، تخلّوا عن هذه الاحتفالات! الناس جائعون؛ أطعموا الجائعين.
اطلبوا من السادة أن يطلبوا هم أيضاً ذلك. لا أقول إن عليهم أن يتحدثوا علناً، بل ليطلبوا ذلك رجاءً والتماساً. اطلبوا من كبار العلماء والفضلاء والمراجع هنا أن ينصحوا هذه الحكومة، وقولوا لهم: انصحوا هذه الحكومة؛ إنها تُذيق الناس الويلات، وإذا استمر هذا الانفلات، فإن المصائب المقبلة ستكون أشدّ.
إنهم يختلقون أمراً جديداً كل يوم، ولديهم خبراء مهمتهم ابتكار مثل هذه الأمور. ينظمون احتفالاً كل يوم، ويقيمون مظاهر احتفالية باستمرار، بل يبتكرون لاحقاً أموراً لا تخطر حتى على بالي وبالكم.
إذا جرى الاحتجاج وتقديم الالتماسات، وإذا كُتبت الرسائل إلى الدول الإسلامية الأخرى، وإلى أولئك الذين يعتزمون المشاركة في هذه الاحتفالات البغيضة والمساهمة في سفك دماء الشعب الإيراني، وقيل لهم: لا تذهبوا إلى هذا الاحتفال؛ إنه احتفال قذر، فلا تشاركوا فيه، فربما يكون لذلك تأثير.
قولوا للدول الإسلامية ألا تشارك في هذا الاحتفال الذي تتولى إسرائيل الإعداد له وتنظيمه. إن الخبراء الإسرائيليين يعملون في محيط شيراز على تجهيز مرافق الاحتفال. فلا تشاركوا في احتفال يتولى فيه خبراء إسرائيل تنظيم هذه المراسم».
(صحيفة الإمام، ج 2)
رسالة الإمام الخميني إلى مختلف شرائح المجتمع
في 25 مارس/آذار 1973، وجّه الإمام الخميني رسالة إلى رجال الدين والجامعيين والتجار والمزارعين وسائر فئات المجتمع، جاء فيها:
«أوصوا أصدقائي الأعزاء من الشباب، من رجال الدين والجامعيين والتجار والمزارعين وسائر الفئات، بعد إبلاغهم السلام، بأن ينفقوا القوى التي أنعم الله تعالى بها عليهم في سبيل رضاه.
أنتم اليوم تمتلكون قوة الشباب الهائلة، وهي قوة تستطيعون بها أن ترفعوا الإسلام ووطنكم إلى أوج العظمة والاعتزاز، وأن تقطعوا أيدي المجرمين عن البلدان الإسلامية وبلدكم. وإذا استُخدمت هذه القوة في سبيل الحق، فإن أثرها سيبقى إلى الأبد، وسيتصل بالقدرة الإلهية التي لا تنفد؛ أما إذا أُهدرت في الأمور العبثية والشهوات، فإنها ستؤدي إلى الذل والعبودية في هذه الدنيا، وإلى العقاب والخزي في الآخرة.
استيقظوا وأيقظوا الغافلين! أحيوا أنفسكم وأعيدوا الحياة إلى الموتى، وضحّوا تحت راية التوحيد من أجل طيّ صفحة الاستعمار الأحمر والأسود وعملائه الخونة عديمي القيمة!
أخرجوا من البلدان الإسلامية، كأنهم نفايات، هؤلاء الناهبين للنفط عديمي الشرف وأعوانهم الذين فقدوا كل اعتبار. وابتعدوا عن احتفالاتهم التي لا تنتهي، والتي ليست في حقيقتها إلا مصابيح تُضاء في المقابر.
آمل أن تحتفلوا، يا أعزائي، قريباً بموت الاستعمار وأعوانه. وإن لم نشهد نحن الشيوخ ذلك، فلتشهدوه أنتم أيها الشباب.
وأسأل الله ذا القدرة التي لا تنفد أن يمنح المسلمين الوحدة، تلك القوة العظيمة».
(صحيفة الإمام، ج 2)
شهادات حول احتفالات الذكرى الـ2500
قال حسن حسنزاده كاشمري في هذا الشأن:
«كانت احتفالات الذكرى الـ2500 عام 1971 ذروة استعراض الشاه لقوته. فقد دعا الشاه نحو 150 رئيس دولة وملكاً وزعيماً من مختلف البلدان إلى إيران، وهو أمر لم يسبق له مثيل في تاريخ إيران، من حيث عدد القادة والمسؤولين الذين زاروا البلاد.
وكان من الواضح، بالتزامن مع هذه الاحتفالات المشؤومة، مدى تفاقم الفقر والبؤس بين الناس، كما أن نبض الثورة كان قوياً جداً لدى القوى الواعية، سواء في الجامعات أو في الحوزات العلمية، وكان من المتوقع أن يزداد قوة».
(كتاب «عقد الخمسينيات»، ص 21)
كما نقل حميد حاجي عبدالوهاب رواية أخرى عن هذه الاحتفالات، فقال:
«خلال احتفالات الذكرى الـ2500، أُبلغ أفراد جيش المعرفة وجيش الصحة وسائر التشكيلات التي أُنشئت آنذاك، وكذلك عدد كبير من الجنود، بألا يحلقوا لحاهم، لكي يظهروا بمظهر جنود العصر الأخميني.
وكان الشبان الذين كُلّفوا بهذه المهمة يسخرون من هذه الإجراءات ويضحكون منها. وبرأيي، فقد كان لهذه النفقات الباهظة، وتلك التصرفات والدعوات، تأثير كبير في توعية الرأي العام».
(مذكرات النضال والسجن، ص 25-26)
----------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.