في 27 سبتمبر 1981، شهد تاريخ الدفاع المقدس عمليةً عسكرية لم تكتفِ بتنفيذ أمر الإمام، بل وجّهت أيضاً رسالةً واضحة إلى الجيش البعثي العراقي مفادها أن عليه أن يعود إلى مكانه.
وبحسب مراسل «جماران»، ففي 5 نوفمبر 1980، الموافق للسادس والعشرين من ذي الحجة عام 1400، وعندما كان جمع من الوعاظ والخطباء قد حضروا لدى الإمام الخميني في حسينية جماران، قال سماحته في جانب من كلمته مخاطباً القوات المسلحة:
«أنا أنتظر أن يُرفع حصار آبادان. وأحذّر الحرس والقوات النظامية وقادة القوات النظامية من أن هذا الحصار يجب أن يُكسر، ولا يجوز التساهل فيه، بل يجب حتماً كسره. لا يفكروا في أننا إذا دخل هؤلاء فسوف نخرجهم لاحقاً؛ فإذا دخلوا فسوف يُلحقون بنا خسائر. لا تسمحوا لهم بالدخول إلى آبادان. أخرجوهم من خرمشهر، واتخذوا موقفاً هجومياً.»
(صحيفة الإمام، ج 13، ص 333)
وعقب صدور أمر الإمام بكسر حصار آبادان، وُضعت الخطط والبرامج العملياتية موضع التنفيذ من جانب القوات المسلحة لتحقيق هذا الهدف. وبعد مرور 375 يوماً على حصار آبادان، بدأت عملية «ثامن الأئمة (ع)» في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل من 27 سبتمبر 1981، تحت شعار: «نصرٌ من الله وفتحٌ قريب».
وكان المقاتلون الإيرانيون المشاركون في هذه العملية يتألفون من الفرقة 77 خراسان، والقوة الجوية التابعة للجيش، والقوة الجوية، والحرس الثوري، وقوات الدرك، وقد تمكنوا من تنفيذ واحدة من العمليات الأربع الكبرى والمهمة في تاريخ الدفاع المقدس.
ويروي رحيم صفوي، أحد كبار قادة فترة الدفاع المقدس، عن تلك المرحلة قائلاً:
عندما بدأت الحرب، اتصل بي الشهيد يوسف كلاهدوز، نائب القائد العام للحرس الثوري، هاتفياً وقال إن الحاجة إليكم في خوزستان أكبر، ومن الأفضل أن تذهبوا إلى هناك. فتوجهت برفقة مئتي عنصر من الإخوة في الحرس الثوري إلى خوزستان.
في أوائل نوفمبر 1980، أي بعد نحو شهر من بدء الحرب، وصلنا إلى خوزستان. وكانت الأوضاع فيها مضطربة ومؤلمة للغاية. كانت خرمشهر قد أوشكت على السقوط، وكانت آبادان محاصرة، وكان العراقيون قد تقدموا من جهة دزفول حتى جسر نادري، ومن جهة أخرى وصلوا إلى مسافة سبعة عشر كيلومتراً من الأهواز، وكانت المدينة تتعرض باستمرار لقصف المدفعية العراقية. كما يمكن القول إن دب حردان وسوسنگرد كانتا في أيدي العدو.
وعندما دخلنا الأهواز، وجدناها أشبه بمدينة أشباح؛ إذ لم يكن نبض الحياة فيها ينبض. المدارس خالية من الطلاب، والبيوت خالية من السكان، والمتاجر مغلقة جميعها، وكان دوي انفجارات قذائف المدفعية ورائحة الدخان والبارود تخلق أجواءً مؤلمة ومؤثرة للغاية. كانت المدينة خالية من السكان، وكانت الطائرات العراقية تحلق على ارتفاع منخفض فوقها.
وفي الطريق، رأينا الناس يفرّون على طريق الأهواز ـ آبادان باتجاه ماهشهر، وكان بينهم أطفال ونساء، وسط حرارة خوزستان الشديدة. لم تكن هناك أي إمكانات، ولا حتى مياه يمكن تقديمها إليهم، ولم تكن هناك وسيلة لنقلهم إلى مكان آخر. كان مستقبلهم غامضاً ومصيرهم مجهولاً، وكان الوضع مؤلماً وحزيناً للغاية. اشتعلت فينا مشاعر الغيرة والحمية، وكنا أحياناً نبكي من شدة التأثر. وأنا شخصياً بكيت عدة مرات، وكنت أقول في نفسي: يا الله، كيف يمكننا إخراج هذا العدو المعتدي والغادر الذي اعتدى على وطننا الإسلامي؟ وكانت هناك آلاف الأمنيات الأخرى التي بدت، ظاهرياً، بعيدة المنال.
وفي تلك الظروف، كانت رسائل الإمام المطمئنة تقوّي القلوب وتبعث الأمل، حيث قال:
«لا تظنوا أن الأمر شيءٌ... هذه الأمور لا مكان لها، لقد جاء لصّ، وألقى حجراً وفرّ، وقد عاد إلى مكانه.»
(صحيفة الإمام، ج 13، ص 223)
وقال أيضاً:
«سنوجه إلى صدام وحزب البعث العراقي صفعةً لن يستطيعوا بعدها النهوض من مكانهم.»
(صحيفة الإمام، ج 13، ص 278)
وكنا نستمد الأمل من هذه الكلمات، لكن السؤال ظل قائماً بالنسبة إلينا: كيف؟
كنا في جبهة دارخوین عندما عُزل بني صدر من منصب القائد العام للقوات المسلحة. وكانت أول عملية كبرى نفذها الحرس الثوري في ليلة عزله نفسها، وحملت اسم: «خميني، روح الله، القائد العام للقوات المسلحة».
وقبل العملية، تحدث الشهيد المظلوم آية الله الدكتور بهشتي مع المقاتلين في دارخوین وكذلك في الأهواز، وتحدث عن الإمام بطريقة جعلت جميع الشباب يبكون، وكان لذلك أثر كبير جداً في رفع معنوياتهم.
وفي 11 يونيو 1981، نُفذت العملية بمشاركة نحو ثلاثمئة مقاتل من الحرس الثوري والبسيج، واستهدفت الفرقة المدرعة الثالثة العراقية المعززة. وعلى مدى اثني عشر يوماً، شن العراقيون هجمات مضادة بقوة تعادل فرقة عسكرية كاملة ضد قواتنا الصغيرة، بينما تقدمنا نحو ثلاثة كيلومترات باتجاه آبادان.
ومن أجل تثبيت مواقع المقاتلين، قام الشهيد المهندس طرّاحي، أحد الطلاب المنتمين إلى خط الإمام، بعمل بطولي في إنشاء ساتر ترابي من ضفة نهر كارون حتى طريق الأهواز.
أنقل هذه الذكريات لكي يتضح أن محور الحرب ومحور انتصاراتنا كان الإمام الخميني. فقد كان يمنح الناس القوة والروح المعنوية، وينظم السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، ويحافظ على معنويات الشعب والمقاتلين، ويعبئهم، ويوجه الجيش والحرس الثوري. لقد كان الإمام يؤدي هذه المهام ببراعة في ظروف لم يكن بوسع أي شخص آخر القيام بها.
ولحسن الحظ، ورغم الهجمات المتكررة للعراقيين، الذين كانوا يصلون أحياناً حتى خلف سواترنا الترابية، وكنا نواجههم بالقنابل اليدوية، ورغم أنهم كانوا فرقة عسكرية كاملة بينما كنا ثلاثمئة مقاتل فقط، فقد تمكنا في النهاية من تثبيت الخط، وهو أمر لم نكن نحن أنفسنا نصدق أنه ممكن. كانت الروح المعنوية التي استمدها المقاتلون من رسائل الإمام وكلماته أشبه بالمعجزة.
لقد أبقينا المقاتلين في هذا الخط نحو أربعة أو خمسة أشهر، ولكن ذلك تم بجهد كبير. كان المقاتلون في وضع أرادوا فيه، من أجل إنقاذ آبادان، أن يمزقوا العدو إرباً. وكنت، بصفتي قائداً يحظى بثقة المقاتلين، أسمع منهم دائماً السؤال: متى سيصدر أمر الهجوم؟ كانوا مستعدين ومترقبين للهجوم على العدو.
وأتذكر أننا ذهبنا ذات ليلة مع عشرة إلى عشرين مقاتلاً للاستطلاع حتى قرب مواقع العراقيين. وفجأة هرب حيوان من أمامنا. وبعد دقائق قليلة دوّى انفجار هائل، وبدأ العراقيون بإطلاق النار على المنطقة بكثافة، واضطررنا إلى العودة.
وفي صباح اليوم التالي، عندما أرسلنا أحد المقاتلين للاستطلاع، تبيّن أن بقرة أو خنزيراً برياً كان قد فرّ من مسافة عشرة أقدام أمامنا، ودخل إلى حقل ألغام زرعه العراقيون، فتسبب في ذلك الانفجار. لم نكن نعرف شيئاً عن الألغام، وعندها أدركنا أن العراقيين قد زرعوا الألغام في المنطقة.
وفيما بعد، رويت هذه الحادثة لآية الله السيد علي خامنئي، فقال إن ذلك الحيوان كان مأموراً من جانب الله بأن يذهب إلى اللغم لكي نبقى نحن سالمين.
وكان أحد شباب طهران، ويدعى تيموري، الذي نال لاحقاً شرف الشهادة، من الأشخاص الذين كانوا يعشقون الإمام حقاً، حتى إنه كان يبكي كلما سمع صوت الإمام. وفي الليالي المقمرة، كان يتقدم حتى الاقتراب من مواقع العراقيين، وينزع صواعق الألغام، حتى إنه كان يعرف ملامح الجنود العراقيين. وبفضل جهوده، لم تكن هناك أي ألغام في طريق المقاتلين خلال ليالي العمليات.
وكان الإمام قد أصدر، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، أمراً بكسر حصار آبادان. وكان المقاتلون يتابعون تنفيذ هذا الأمر بدقة وانتظار.
وفي النهاية، وُضعت خطة للعملية، وفي 27 سبتمبر 1981، شنّت قوات الحرس الثوري والجيش هجوماً على ثلاثة محاور: دارخوین، فيّاضية، ومحطة 7 على طريق ماهشهر. وتمكنوا خلال 24 ساعة من طرد العدو من الضفة الشرقية لنهر كارون، وإنقاذ آبادان من الحصار، وكان ذلك مصدر فرح حقيقي لقلب الإمام الخميني.
(الإمام والدفاع المقدس، ص 36 ـ 43)
---------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.