الملخص
يبحث هذا المقال في مبدأ وجوب المحافظة على النظام الإسلامي في الفكر السياسي للإمام الخميني (قدس سره)، ويبين أسسه القرآنية والفقهية والعقلية، ومكانته في الفقه السياسي الشيعي. ويرى الإمام أن الحكومة الإسلامية وسيلة لإقامة الشريعة وتحقيق العدالة وصيانة المجتمع الإسلامي، وأن استمرارها شرط لتنفيذ الأحكام الإلهية. كما يعرض البحث آراء عدد من كبار فقهاء الإمامية الذين أكدوا أن حفظ النظام الإسلامي والدفاع عن بيضة الإسلام من أهم الواجبات الشرعية والعقلية. ويخلص البحث إلى أن حفظ النظام الإسلامي بعد قيام الدولة الإسلامية يُعد من أهم الواجبات؛ لأنه الضامن لاستمرار الدين، وتنفيذ الأحكام، وحماية الأمة من الفوضى والعدوان.
الكلمات المفتاحية: الإمام الخميني، النظام الإسلامي، ولاية الفقيه، الفقه السياسي، حفظ النظام.
المقدمة
يرتكز الفكر السياسي للإمام الخميني على القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث أهل البيت (عليهم السلام)، ويؤكد أن الإسلام دين شامل ينظم حياة الإنسان في جميع أبعادها. ومن هذا المنطلق فإن إقامة الحكومة الإسلامية ليست هدفًا مستقلًا، بل وسيلة لتنفيذ الأحكام الإلهية وإقامة العدل.
وتنبع أهمية هذا البحث من أن معظم الدراسات ركزت على نظرية ولاية الفقيه، في حين لم يُبحث مبدأ وجوب المحافظة على النظام الإسلامي بالقدر الكافي، مع أنه يمثل نتيجة طبيعية لقيام الدولة الإسلامية واستمرارها.
أولاً: مفهوم المحافظة على النظام
تناول الفقهاء لفظ «النظام» بمعانٍ متعددة، أهمها:
حفظ النظام الاجتماعي ومنع الفوضى والاضطراب.
المحافظة على الحكومة الشرعية وعدم إضعافها.
صيانة بيضة الإسلام ووحدة المسلمين والدفاع عن الكيان الإسلامي.
ويرى الفقهاء أن كل عمل يؤدي إلى اختلال النظام أو تهديد أمن المجتمع الإسلامي يعد ممنوعًا شرعًا، بينما يكون كل ما يحفظ استقرار المجتمع والدولة الإسلامية مطلوبًا شرعًا وعقلًا.
ثانياً: آراء فقهاء الشيعة في وجوب حفظ النظام
أكد فقهاء الإمامية أن الدفاع عن الإسلام وبلاد المسلمين من الواجبات القطعية، ومن أبرزهم:
الشيخ الطوسي، الذي عدّ الدفاع عن بيضة الإسلام واجبًا عند تعرضها للخطر.
صاحب الجواهر، الذي اعتبر حفظ النظام من أهم الواجبات، ورأى أن تعطيل ولاية الفقيه يؤدي إلى تعطيل كثير من شؤون المجتمع.
الميرزا النائيني، الذي أكد أن حفظ النظام الإسلامي ومنع الفوضى من أوضح الواجبات العقلية والشرعية.
الإمام الخميني، الذي رأى أن الدفاع عن الإسلام والنظام الإسلامي واجب على جميع المسلمين بكل الوسائل الممكنة.
ويستند هؤلاء الفقهاء إلى الأدلة القرآنية، والروايات، وحكم العقل، وإلى قاعدة «حفظ بيضة الإسلام» التي تجعل صيانة المجتمع الإسلامي مقدمة على كثير من الأحكام عند التزاحم.
ثالثاً: المحافظة على النظام بوصفها قاعدة فقهية
يعدّ مبدأ المحافظة على النظام من القواعد الفقهية المهمة في الفقه الإمامي، وقد استند إليه الفقهاء في كثير من المسائل الشرعية. ويرى الإمام الخميني أن الشريعة تهدف إلى حفظ مصالح المجتمع ومنع الفوضى، ولذلك فإن كل ما يؤدي إلى اختلال النظام يكون ممنوعًا، وكل ما يتوقف عليه حفظ النظام يصبح واجبًا شرعًا.
كما يؤكد العلماء أن العقل يحكم بضرورة وجود سلطة شرعية تحفظ الأمن، وتقيم العدالة، وتحمي الحقوق، لأن المجتمع لا يستقيم من دون حكومة قادرة على تنفيذ القوانين وصيانة النظام العام.
---
رابعاً: العلاقة بين حفظ الدين وحفظ الحكومة الإسلامية
يرى الإمام الخميني أن الدين والحكومة لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فالأحكام الإسلامية، ولا سيما الأحكام الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقضائية، لا يمكن تطبيقها من دون وجود حكومة إسلامية.
ولهذا فإن إقامة الدولة الإسلامية تعدّ وسيلة لتنفيذ الشريعة، وبعد قيامها تصبح المحافظة عليها واجبًا؛ لأن سقوطها يؤدي إلى تعطيل الأحكام وانتشار الفساد والفوضى. ومن هنا يؤكد الإمام أن وجوب حفظ الحكومة الإسلامية ناشئ من وجوب حفظ الدين نفسه.
كما أن كثيرًا من الأحكام، مثل الجهاد، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن المجتمع الإسلامي، تحتاج إلى سلطة شرعية تتولى تنفيذها، الأمر الذي يبرز الترابط الوثيق بين الدين والدولة في الفكر السياسي للإمام الخميني.
---
خامساً: المحافظة على الجمهورية الإسلامية
بعد انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس الجمهورية الإسلامية، اعتبر الإمام الخميني أن المحافظة على هذا النظام مسؤولية شرعية تقع على عاتق جميع أفراد الأمة.
وأكد أن الجمهورية الإسلامية أمانة إلهية، وأن إضعافها أو العمل على زعزعة أركانها يعد مخالفًا للمصلحة العليا للإسلام. ويرى أن حفظ النظام الإسلامي يهدف إلى حماية الدين، وصيانة استقلال الأمة، ومنع هيمنة الأعداء، وإيجاد الظروف المناسبة لتطبيق الشريعة.
كما يذهب الإمام إلى أنالمصلحة العامة للنظام الإسلامي قد تقتضي في بعض الحالات تقديمها على بعض الأحكام الفرعية عند وقوع التزاحم، لأن بقاء النظام هو الضامن لاستمرار الدين وتنفيذ أحكامه.
واستنادًا إلى هذا الأساس، عدّ الإمام الخميني المحافظة على الجمهورية الإسلامية من أعظم المسؤوليات الشرعية، ودعا جميع المسلمين إلى الدفاع عنها وصيانة وحدتها واستقلالها.
سادساً: النتائج (الخاتمة)
يخلص هذا البحث إلى أن مبدأ وجوب المحافظة على النظام الإسلامي يُعدّ من الركائز الأساسية في الفكر السياسي للإمام الخميني (قدس سره)، وهو مبدأ يستند إلى أدلة شرعية وعقلية متعددة.
فمن الناحية الشرعية، يتضح أن بقاء الشريعة الإسلامية وتنفيذ أحكامها يتوقف على وجود حكومة قادرة على إدارة المجتمع، الأمر الذي يجعل إقامة النظام الإسلامي وحفظه ضرورة دينية لا يمكن التفريط بها. أما من الناحية العقلية، فإن العقل يحكم بضرورة وجود سلطة تحفظ الأمن والنظام وتمنع الفوضى والاضطراب.
كما بيّن البحث أن الإمام الخميني يرى أن الحكومة الإسلامية ليست غاية مستقلة، بل هي وسيلة لإقامة الدين وتحقيق العدالة وتنفيذ الأحكام الشرعية. ومن ثم فإن حفظ النظام الإسلامي بعد قيامه يصبح من أهم الواجبات، بل من أوجب الواجبات عند التزاحم، لأن انهياره يؤدي إلى تعطيل الدين وإضعاف المجتمع الإسلامي وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية.
ويؤكد البحث كذلك أن هذا المبدأ ليس خاصًا بالإمام الخميني، بل هو امتداد لآراء فقهاء الإمامية الذين اعتبروا حفظ بيضة الإسلام ومنع اختلال النظام من الواجبات القطعية في الفقه الإسلامي.
وبناءً على ذلك، فإن المحافظة على النظام الإسلامي تمثل مسؤولية شرعية وعقلية جماعية تقع على عاتق الأمة الإسلامية بأسرها، لما لها من دور أساسي في استمرار الدين وصيانة المجتمع وتحقيق مقاصد الشريعة.
---
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، ط3، 1308هـ.
الإمام الخميني، روح الله، ولاية الفقيه (الحكومة الإسلامية)، ط20، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
الإمام الخميني، روح الله، البيع، ج2، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
الإمام الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، ج1، طهران: دار النشر الإسلامي.
الإمام الخميني، روح الله، صحيفة الإمام، مجلدات 1–21، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط، ج2، المكتبة المرتضوية.
الشيخ الأنصاري، مرتضى، المكاسب، ج2، مجمع الفكر الإسلامي.
الشيخ النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
السيد أبو القاسم الخوئي، مصباح الفقاهة، ج1، قم.
الميرزا محمد حسين النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة.
عبد الله جوادي الآملي، ولاية الفقيه ولاية الفقاهة والعدالة، مؤسسة الإسراء.
جعفر سبحاني، الحكومة الإسلامية في منظورنا.
محمد سروش، الدين والدولة في الفكر الإسلامي، بوستان كتاب.
محمد حسين مهوري، «حفظ النظام»، مجلة الحكومة الإسلامية، العدد 20.
محسن ملك أفصلي الأردكاني، «آثار قاعدة حفظ النظام»، مجلة الحكومة الإسلامية، العدد 58.
حسن رحيم بور ازغدي، «ولاية الفقيه ونقد الآراء المخالفة»، مجلة اندیشه حوزه.
آیت الله گلپایگانی، الوصية.
www.hawzah.net
www.tebyan.net
www.parsine.com
-------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.