لقد كنا نرى منذ البداية ضرورة كسر حاجز الخوف هذا، لأنه مجرد نوع من التخويف والإرعاب الذي لا أساس له من الواقع إلى حد ما، بل الجزء الأكبر منه عبارة عن تهويل اعلامي، يلجأ إليه هؤلاء من أجل إخافة الشعوب والدول. فالذي كان يُتصور أنه إذا ما أرادت أمةٌ ما أن تتقدم، أو تواجه حكومتها أو إحدى الدول الكبرى، وأردنا القيام بعمل ما، فلابد أولًا من تحطيم هذه الأصنام، ولكنه في حقيقة الأمر، إنما يكون بإستهداف أولئك المتواجدين في المقدمة. في البداية باللسان؛ بحيث يخرج هذا الخوف من قلوب الناس بأن هؤلاء لا يمكن التحدث ضدهم، وشيئاً فشيئاً يبدأ الناس بإدراك هذا المعنى أنه، كلا، ليس الأمر كما كنّا نتصور، بأنه إذا تكلمنا بشيء ضد هؤلاء الكبار فإن الدنيا ستُخرب فوق رؤوسنا، فإدراك شعبنا لهذا الأمر، جعله وكما رأيتم يتجرأ على النيل حتى من هذا الرُّجيل [الشاه محمدرضا] دون حدوث أي مشكلة. وعلى فرض حدوث مشكلة ما، كانت تحل سريعاً وحتى عندما أعلنوا الأحكام العرفية وحظر التجول في النهار، رأيتم كيف خرج الناس إلى الشوارع متحدّين هذا الاعلان، ولم يحدث شيء. فالأساس أن يُكسر حاجز الخوف والرعب هذا الذي أوجدوه في نفوس الشعوب والأمم.
ومن جملة الأمور التي روّجوا لها كثيراً وكانوا يخوّفون الجميع منها، هي مسألة مجرد إحتمال التفكير بالاستقلال عن الدولتين العظميين. وتشكيل كيان مستقل في مقابلهما، فإن هذا العالم محكومٌ لهاتين القوتين الكبريين، ولا يجوز لأحد أن يتجرأ على مجرد التفكير بالاستقلال عنهما، وعلى هذا فليس أمامه إلا خياران، إما الإنضمام إلى المعسكر الشرقي بقيادة السوفييت وإما الإنضمام إلى المعسكر الغربي بقيادة أمريكا.
فإذا ما فكّر أحدٌ ما يوماً، بأن يشكل لنفسه كياناً مستقلًا ليشعر من خلاله بوجوده المستقل، فعليه أن يعلم أن هذه الأفكار هي مجرد أوهام باطلة لن يكون لها واقعٌ يوماً ما، ولكن الشعوب عندما بدأت تعود إلى نفسها شيئاً فشيئاً، أدركت أن، كلا، ليست المسألة كذلك، فقد رأينا جميعاً ما حلّ بالسوفييت في أفغانستان عند تدخلهم عسكرياً في هذا البلد، مع أن أفغانستان دولة ضعيفة إلا أنها حيّة وقد واجهتهم بقوة الإيمان، فعلى رغم أن الحكومة الأفغانية الغاصبة للحكم، وعدداً من الأحزاب اليسارية كانوا متعاملين مع السوفييت، إلّا أن شبان أفغانستان الغيارى وقفوا في وجههم، واستطاعوا إلى أمد بعيد أن يضعوا السوفييت في دوامة من المشاكل لدرجة أنه يمكن معها القول بأنهم استطاعوا إلحاق الهزيمة بالسوفيت سياسياً، وإنما كان ذلك، لأن الشعب أدرك أن ليست المسألة كما كان يظن، بأنه إذا هجم السوفييت على مكان ما، فعلى الشعب مئة بالمئة أن يستسلم لإرادتهم، ولا يمكنه الرد عليهم مطلقاً، أو إذا أقدمت أمريكا على هكذا أمر ضد إحدى الدول- مثلًا إيران-، فمعناه أن إيران ستتهدّم كلياً ويقضى عليها نهائياً، فقد زالت هذه المسألة شيئاً فشيئاً، وانكسر هذا الخوف والرعب الذي كان مخيماً على الشعوب، وزال الخوف من نظام الشاه البائد، ورأيتم جميعاً كيف أن هذه الصرخات، صرخاتكم أنتم أيها الشباب، صرخات الرجال، ونهوض الأمة أسقطت الشاه، وحالت دون تمكن أسياده من الإبقاء عليه، فمع كل هذه القوة والمحاولات التي قاموا بها لإنقاذه، مع كل هذا استطعتم أنتم، بصرخاتكم ووحدة كلمتكم أن تهزموهم.
-------------
القسم العربي، الشؤون الدولیة، صحیفة الامام الخمیني ج ۱۳ ، ص ۲۳۶-۲۳۷.