هل كان الإمام الخميني معارضًا للمفاوضات؟

ID: 87038 | Date: 2026/08/25
بقلم: محمد رجائي‌نجاد


إذا أردنا أن ندرس علاقة الإمام الخميني بالحرب والسلام، ليس فقط على مستوى الأقوال، بل من خلال قراراته التاريخية، فعلينا أن نعود إلى عام 1988م، وتحديدًا إلى قبول القرار 598. فهنا لم نعد أمام شعار أو رأي عام، بل أمام قرار كان بالغ الصعوبة والثقل بالنسبة إلى الإمام والجمهورية الإسلامية.


يقول الإمام بشأن قبول القرار إنه حتى قبل بضعة أيام كان لا يزال يرى ضرورة مواصلة أسلوب الدفاع والمواقف المعلنة في الحرب، وكان يرى مصلحة النظام والبلاد والثورة في مواصلة ذلك. لكنه يضيف بعد ذلك أنه، بالنظر إلى الأحداث والعوامل الجديدة، وكذلك آراء الخبراء السياسيين والعسكريين في البلاد، وافق على قبول القرار ووقف إطلاق النار، وقال:


«في المرحلة الراهنة أرى ذلك في مصلحة الثورة والنظام.»


إعادة قراءة العلاقة بين التفاوض والسلام والتسوية في السيرة السياسية للإمام الخميني


في زمن أصبحت فيه كلمة «التفاوض» من جديد واحدة من أكثر الكلمات إثارةً للجدل في الفضاء السياسي الإيراني، يطرح سؤال تاريخي نفسه مرة أخرى:


هل يمكن، بالاستناد إلى فكر الإمام الخميني وسيرته السياسية، اعتبار التفاوض في ذاته، وفي جميع الظروف، أمرًا مذمومًا بل وحتى خيانة؟


لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بجملة واحدة من أقوال الإمام؛ لأننا نجد في مواقفه وأقواله السياسية مواقف صريحة جدًا ترفض التفاوض، كما نجد في المقابل حالات من الحوار واللقاء والتفاوض مع المعارضين والأعداء، بل وحتى مع ممثلي حكومات أجنبية معادية.


وإذا نظرنا إلى إحدى هاتين المجموعتين فقط، فسوف نكوّن صورة ناقصة عن الإمام.


المسألة في الظاهر تكمن في مكان آخر:


ما نوع المفاوضات التي كان الإمام يعارضها، وما نوع المفاوضات التي كان يقبل بها؟


هذا السؤال يتجاوز البحث عن إجابة بسيطة من نوع «نعم» أو «لا»، ويقرّبنا أكثر من منطق الإمام في اتخاذ القرارات السياسية.


التفاوض؛ نعم أم لا؟


خلال سنوات النضال، وفي عقد الستينيات من القرن العشرين، تحدث الإمام الخميني مرارًا عن التفاوض مع حكومة بهلوي، لكنه لم يكن ينظر إلى التفاوض في فراغ ومن دون مراعاة الظروف السياسية.


فعلى سبيل المثال، كان يشترط في بعض مواقفه عقد اللقاء والتفاوض بتغيّر الظروف السياسية وتنحّي عناصر معينة من السلطة.


وفي عام 1978م، وعندما سُئل عن التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، اعتبر ذلک احترامًا متبادلًا و ان ضمان حرية إيران واستقلالها شرطان أساسيان للعلاقة والحوار.


وتُظهر هذه المواقف أن مسألة الإمام لم تكن مجرد «التفاوض أو عدم التفاوض»، بل كانت ظروف التفاوض وموقع طرفي التفاوض أيضًا ذات أهمية.


ولعلنا من هذا المنظور نستطيع أن نفهم بصورة أفضل بعض مواقف الإمام التي تبدو متعارضة ظاهريًا.


فالإمام يقول في موضع:


«لن نقبل التسوية من أي شخص وبأي شكل كانت.»


لكنه في الكلام نفسه يتحدث أيضًا عن:


«مفاوضاتنا مع هؤلاء الأشخاص.»


إن الجمع بين هذين التعبيرين يكشف نقطة مهمة:


التفاوض لا يساوي بالضرورة التسوية.


فإذا اعتبرنا التفاوض عينَ التسوية، فإن العبارتين ستبدوان متناقضتين؛ أما إذا ميّزنا بين هذين المفهومين، فإن كلام الإمام يصبح أكثر وضوحًا.


التفاوض مع مَن؟ ولأي غرض؟


في بعض مواقف الإمام، كان رفض التفاوض صريحًا جدًا. فعلى سبيل المثال، في ظروف الحرب، لم يكن يقبل التفاوض مع العدو، بل كان يقول: «نحن أصلًا لا نتفاوض مع هؤلاء.» لكن هذا الكلام قيل في سياق الحرب، وبشأن عدو محدد، وفي ظروف محددة.


وفي موضع آخر أيضًا، لم يكن الإمام يقبل التفاوض مع الولايات المتحدة في ظروف معينة، لكنه في الفترة نفسها لم يستبعد إمكانية التفاوض إذا غيّرت الولايات المتحدة سلوكها وضمنت حقوق الشعب.


لذلك لا يمكن فصل جملة واحدة عن سياقها التاريخي وتحويلها إلى قاعدة دائمة.


إن التفاوض في الفكر السياسي للإمام يرتبط بأسئلة أخرى أيضًا:


مع مَن؟ حول ماذا؟ وفي أي ظروف؟ ومن أي موقع؟ وللوصول إلى أي هدف؟


هذه الأسئلة أهم من كلمة «التفاوض» نفسها.


السلام؛ مطلوب أم مذموم؟


فيما يتعلق بـ«السلام» أيضًا، فإن الأمر يكاد يكون على النحو نفسه. فإذا قرأ شخص بعض أقوال الإمام حول الحرب فقط، فقد يتصور أن الحرب كانت ذات أهمية وأصالة في فكره. لكن هناك وثائق وأقوال أخرى تقدم صورة مختلفة.


فالإمام يقول صراحة:


«لسنا طلاب حرب، ونحن طالبو السلام والصفاء للجميع.»


وفي موقف آخر، يصف الجمهورية الإسلامية بأنها «محبة للسلام».


إذن، فإن أصل السلام ليس مذمومًا فحسب، بل يمكن أن يكون أمرًا مطلوبًا. لكن هذه ليست كل القصة.


فالإمام، في الوقت نفسه، كان ينتقد بشدة «السلام المفروض»، بل كان يعتبره في بعض الأحيان أسوأ من الحرب. وفي قول آخر يؤكد أن إيران تريد السلام، لكنها لا تقبل السلام الذي يُفرض عليها.


إذن نحن أمام تمييز آخر:


السلام في ذاته ليس مذمومًا، وإنما السلام المفروض هو المذموم.


وهذا الفرق مهم جدًا لفهم مواقف الإمام.


سلام يتجاهل الحقوق


في بعض أقوال الإمام، يتجاوز مفهوم السلام مجرد وقف الحرب. ففي عام 1982م تحدث عن «السلام الإسلامي»، ولم يعتبر السلام الذي يتجاهل العدوان والأضرار وحقوق الطرف الذي وقع عليه العدوان سلامًا حقيقيًا.


ومن هذا المنظور، فإن مجرد توقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تحقق السلام. فالسلام يجب أن يحمل مضمونًا؛ ويجب أن يكون عادلًا وأن يعترف بحقوق الطرفين.


وبناءً على ذلك، يمكن القول إن نظرة الإمام تقوم على أن:


الحرب ليست هدفًا، لكن السلام أيضًا ليس أيَّ سلام.


وهذا التمييز البسيط يوضح جانبًا مهمًا من المنطق السياسي للإمام.


الاختبار الأكبر؛ نهاية الحرب


لعل ما يمكن تعلمه من السيرة السياسية للإمام هو أنه لا ينبغي تحويل أي وسيلة سياسية إلى مبدأ ثابت؛ لا الحرب، ولا التفاوض، ولا السلام.


المعيار هو الهدف والمصلحة والظروف الواقعية. ولعل الأهم من ذلك كله أن شجاعة تغيير القرار عندما تتغير الظروف هي أيضًا جزء من العقلانية السياسية.


يبقى سؤال واحد


في الأجواء السياسية الراهنة، يقال أحيانًا:


«التفاوض يعني التسوية.»


«التفاوض يعني التراجع.»


«التفاوض يعني الاستسلام.»


لكن التجربة التاريخية للإمام الخميني، على الأقل، تدفعنا إلى التوقف أمام هکذا مساواة مطلقة كهذه.


هل كل تفاوض هو بالفعل تسوية؟


إذا كان الأمر كذلك، فعلينا أن نفسر لماذا استخدم الإمام في أقواله من جهة كلمة «المفاوضات» ومن جهة أخرى كلمة «التسوية»، أحيانًا جنبًا إلى جنب ولكن بمعنيين مختلفين.


وإذا كان كل سلام يعني الاستسلام، فعلينا أن نفسر كيف أن الإمام نفسه الذي رفض السلام المفروض، تحدث بعد تغير الظروف عن «سلام دائم».


إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تعني بالطبع إنكار العداوات، أو تجاهل التجربة التاريخية، أو التبسيط في التعامل مع قضية التفاوض. بل على العكس تمامًا؛ فالتفاوض الجاد لا يكتسب معناه إلا عندما يكون مصحوبًا بمعرفة دقيقة بموازين القوى، والحفاظ على الاستقلال، وتأمين المصالح الوطنية، واليقظة.


ولعل الخلاصة هي:


ليس كل تفاوض تسوية، وليس كل سلام استسلامًا؛ كما أن ليست كل حرب ضرورة، وليس كل مقاومة وإصرار عقلانية.


وهذه، في رأيي، إحدى الدروس التي يمكن استخلاصها من إعادة قراءة منصفة للسيرة السياسية للإمام الخميني في عصرنا الحاضر. 


القرار 598؛ الاختبار التاريخي


لكن إذا أردنا أن ندرس علاقة الإمام بالحرب والسلام، ليس فقط على مستوى الأقوال، بل على مستوى القرار التاريخي، فعلينا أن نعود إلى عام 1988م، وإلى قبول القرار 598.


فهنا لم نعد أمام شعار أو رأي عام، بل أمام قرار كان بالغ الثقل بالنسبة إلى الإمام والجمهورية الإسلامية.


يقول الإمام بشأن قبول القرار إنه حتى قبل بضعة أيام كان لا يزال يرى ضرورة مواصلة أسلوب الدفاع والمواقف المعلنة في الحرب، وكان يرى مصلحة النظام والبلاد والثورة في ذلك.


لكنه يضيف أنه، بالنظر إلى الأحداث والعوامل الجديدة، وكذلك آراء الخبراء السياسيين والعسكريين في البلاد، وافق على قبول القرار ووقف إطلاق النار، وقال:


«في المرحلة الراهنة أرى ذلك في مصلحة الثورة والنظام.»


(صحيفة الإمام، ج 21، ص 92) 



-------------


القسم العربي، الشؤون الدولیة.